الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
520
مختصر الامثل
عقوبة السرقة : لقد بيّنت آيات سابقة عقاب وحكم المحارب الذي يتعرض لأرواح وأموال ونواميس الناس عن طريق التهديد بالسلاح ، أمّا الآيات الثلاث الأخيرة فهي تبيّن حكم السارق والسارقة أي الفرد الذي يسرق خلسة أموال وممتلكات الناس ، فتقول الآية أوّلًا : « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا » . وقد قدمت هذه الآية الرجل السارق على المرأة السارقة ، بينما الآية التي ذكرت حد وعقوبة الزنا قد قدمت المرأة الزانية على الرجل الزاني ، ولعلّ هذا التفاوت ناشىء عن حقيقة أنّ السرقة غالباً ما تصدر عن الرجال ، بينما النساء الخليعات المستهترات يشكّلن في الغالب العامل والعنصر المحفّز للزنا ! بعد ذلك تبيّن الآية أنّ العقوبة المذكورة هي جزاء من اللَّه لجريمة السرقة المرتكبة من قبل الرجل أو المرأة ، حيث تقول : « جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكلًا مِّنَ اللَّهِ » . ولكي لا يتوهم الناس وجود الإجحاف في هذه العقوبة ، تؤكد الآية - في آخرها - على أنّ اللَّه عزيز ، أي قادر على كل شيء ، فلا حاجة له للانتقام من الأفراد ، وهو حكيم - أيضاً - ولا يمكن أن يعاقب الأفراد دون وجود مبرر أو حساب لذلك ، حيث تقول الآية : « وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » . أمّا الآية الثانية فهي تفتح لمن ارتكب هذه المعصية باب العودة والتوبة ، فتقول : « فَمَنْ تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » . والسؤال الوارد هنا هو : هل أنّ التوبة وحدها تكفي لغفران الذنب فقط ، أم أنّها تسقط عنه حد أو عقوبة السرقة أيضاً ؟ إنّ المعروف لدى فقهاء الشيعة أنّ مرتكب السرقة إن تاب قبل أن تثبت سرقته في محكمة إسلامية يسقط عنه حدّ السرقة أيضاً ، أمّا إذا شهد عادلان على سرقته فإنّ التوبة لا تسقط عنه الحد . ثم توجّه الآية الأخرى الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله فتقول : « أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ » .